ملا محمد مهدي النراقي
298
جامع السعادات
وقال أمير المؤمنين ( ع ) : ( لا خير في عبادة لا فقه فيها ، ولا في قراءة لا تدبر فيها ) . وإذا لم يتمكن من التدبر إلا بالترديد ، ، فليردد . ولذلك كان الأكابر كثيرا ما يكررون بعض الآيات مرات كثيرة للتدبر فيها ، وربما يقفون عند آية مدة مديدة ، وقال بعضهم : ( لي في كل جمعة ختمة ، وفي كل شهر ختمة ، وفي كل سنة ختمة ، ولي ختمة منذ ثلاثين ما فرغت منها بعد ! ) ، وذلك بحسب درجات تدبره وتفتيشه . ومنها - التفهم : وهو أن يستوضح من كل آية ما يليق بها ، إذ القرآن يشتمل على ذكر صفاته تعالى ، وذكر أفعاله ، وذكر الجنة والنار ، وأحوال النشأة الآخرة ، وذكر أحوال أنبيائه ، وأحوال المكذبين ، وأنهم كيف أهلكوا ، وذكر أحكامه وأوامره ونواهيه وغير ذلك . فإن مر بآيات صفاته تعالى ، كقوله : ( ليس كمثله شئ وهو السميع البصير ) ( 45 ) . وكقوله تعالى : ( الملك القدوس السلام . . . ) إلى آخر الآية ( 46 ) وغير ذلك . فليتأمل في معاني هذه الأسماء والصفات ، لتنكشف له أسرارها المكنونة تحتها ، ولا تنكشف هذه الأسرار إلا للمؤيدين في فهم كتاب الله . قال أمير المؤمنين ( ع ) : ( ما أسر إلي رسول الله ( ص ) شيئا كتمه عن الناس ، إلا أن يؤتي الله عز وجل عبدا فهما في كتابه ) . وإن مر بآيات الأفعال ، أي الآيات الحاكية عن خلقه السماوات والأرض ، وما فيهما من الملائكة والكواكب والجبال والحيوان والنبات ، وما بينهما من السحب والغيوم والرياح والأمطار وغير ذلك ، فليفهم التالي منها عظمة الله وجلاله . إذ الفعل يدل على الفاعل ، فعظمته تدل على عظمته . وينبغي أن يشهد في الفعل الفاعل دون الفعل ، إذ من عرف الحق رآه في كل شئ ، إذ كل شئ منه وبه وإليه وله ، فهو الكل في وحده ، ومن لا يراه في كل ما يراه فكأنه ما عرفه ، ومن عرفه عرف أن كل شئ ما خلا الله باطل ، وأن كل شئ هالك إلا وجهه ، وإن اعتبر من حيث هو ، إذ مع قطع النظر عن الواجب
--> ( 45 ) الشورى ، الآية : 11 . ( 46 ) الحشر ، الآية : 23 .